محمد سعيد رمضان البوطي
87
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
إياهم أنه نازل عند شروطهم فجاؤوا بها وهي مطوية ، فقال أبو طالب : إن ابن أخي قد أخبرني . ولم يكذبني قط ، أن اللّه تعالى قد سلط على صحيفتكم التي كتبتم الأرضة فأتت على كل ما كان فيها من جور وقطيعة رحم ، فإن كان الحديث كما يقول فأفيقوا وارجعوا عن سوء رأيكم ، فو اللّه لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا ، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا ففعلتم به ما تشاؤون . فقالوا : قد رضينا بالذي تقول . ففتحوا الصحيفة فوجدوا الأمر كما أخبر الصادق المصدوق صلّى اللّه عليه وسلم . فقالوا : هذا سحر ابن أخيك ! » . . وزادهم ذلك بغيا وعدوانا . ثم إن خمسة من رؤساء المشركين من قريش ، مشوا في نقض الصحيفة ، وإنهاء هذا الحصار ، وهم : هشام بن عمرو بن الحارث ، وزهير بن أمية ، والمطعم بن عدي ، وأبو البختري بن هشام ، وزمعة بن الأسود . وكان أول من سعى إلى نقضها بصريح الدعوة زهير بن أمية ، أقبل على الناس عند الكعبة فقال : « يا أهل مكة ، أنأكل الطعام ، ونلبس الثياب وبنو هاشم والمطلب هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم ؟ . . واللّه لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة » . ثم قال بقية الخمسة نحوا من هذا الكلام . ثم قام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فمزقها ، ثم انطلق هؤلاء الخمسة ، ومعهم جماعة ، إلى بني هاشم وبني المطلب ومن معهم من المسلمين فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم . العبر والعظات : هذه القطعة الظالمة ، تصور قمة الشدة التي لقيها النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه طوال ثلاثة أعوام . وقد رأيت أن المشركين من بني هاشم وبني المطلب ، شاركوا المسلمين في تحملها ، ولم يرضوا أن يتخلوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وليس لنا من حديث عن هؤلاء المشركين وسبب موقفهم هذا ، فقد كان الذي دفعهم إليه حمية القرابة والرحم ، وإباء الذل الذي كان يتلبس بهم لو أنهم خلوا بين محمد صلّى اللّه عليه وسلم ومشركي قريش من غير بني هاشم وبني المطلب يقتلونه ويفتكون به ، بقطع النظر عن العقيدة والدين . فقد آثروا إذن أن يجمعوا بين رغبتين في صدورهم : الأولى : الثبات على الشرك والاستكبار على الحق الذي جاءهم به محمد صلّى اللّه عليه وسلم . الثانية : الانصياع للحمية التي تدعو إلى حماية القريب من بطشة الغريب وظلمه ، بحق كان أو بباطل . أما المسلمون ، وعلى رأسهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإنما صبّرهم على ذلك الانصياع لأمر اللّه وإيثار الآخرة على الدنيا ، وهوان الدنيا عندهم في جنب مرضاة اللّه عز وجل ، وهذا ما يهمنا أن نبحث فيه .